أحمد بن علي القلقشندي

372

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

أما السريعة فحركة فلك الكلّ بها في اليوم والليلة من المشرق إلى المغرب ومن المغرب إلى المشرق ، وتسمّى الحركة اليوميّة . وأما الحركة البطيئة فقطعها فلك البروج في سنة شمسيّة من الجنوب إلى الشمال ومن الشّمال إلى الجنوب ، ولتعلم أن جهة المشرق وجهة المغرب لا تتغيّر ان في أنفسهما بل جهة المشرق واحدة وكذلك جهة المغرب ، وإن اختلفت مطالعهما . قال تعالى * ( رَبُّ الْمَشْرِقِ والْمَغْرِبِ ) * * ( 1 ) أي جهة الشّروق وجهة الغروب في الجملة ، إلا أن الشمس لها غاية ترتفع إليها في الشّمال ، ولتلك الغاية مشرق ومغرب وهو مشرق الصيف ومغربه ، ومطلعها حينئذ بالقرب من مطلع السّماك الرامح ( 2 ) ، ولها غاية تنحطَّ إليها في الجنوب ، ولتلك الغاية أيضا مشرق ومغرب : وهو مشرق الشتاء ومغربه ، ومطلعها حينئذ القرب من مطلع بطن العقرب ، وهذان المشرقان والمغربان هما المراد بقوله تعالى : * ( رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ ورَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ ) * ( 3 ) وبين هاتين الغايتين مائة وثمانون مشرقا ، ويقابلها مائة وثمانون مغربا ، ففي كل يوم تطلع من المشرق غير الذي تطلع فيه بالأمس ، وتغرب في مغرب غير الذي تغرب فيه بالأمس . وذلك قوله تعالى : * ( بِرَبِّ الْمَشارِقِ والْمَغارِبِ ) * ( 4 ) ونقطة الوسط بين هاتين الغايتين وهي التي يعتدل فيها الليل والنهار ، يسمّى مطلع الشمس فيها مشرق الاستواء ، ومغرب الاستواء ، ومطلعها حينئذ بالقرب من مطلع السماك الأعزل ( 5 ) . وقد قسّم علماء الهيئة ما بين غاية الارتفاع وغاية الهبوط اثني عشر قسما ،

--> ( 1 ) الشعراء / 28 . ( 2 ) أنظر ص 182 من هذا الجزء . ( 3 ) الرحمن / 17 . ( 4 ) نص الآية 40 من سورة المعارج : « فلا أقسم بربّ المشارق والمغارب » . ( 5 ) أنظر ص 177 .